القرطبي
325
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
إذا كان معناه صفة كان تقدير الكلام : صفة الجنة التي فيها أنهار ، وذلك غير مستقيم ، لأن الأنهار في الجنة نفسها لا صفتها . وقال الزجاج : مثل الله عز وجل لنا ما غاب عنا بما نراه ، والمعنى : مثل الجنة جنة تجري من تحتها الأنهار ، وأنكره أبو علي فقال : لا يخلو المثل على قوله أن يكون الصفة أو الشبه ، وفي كلا الوجهين لا يصح ما قاله ، لأنه إذا كان بمعنى الصفة لم يصح ، لأنك إذا قلت : صفة الجنة جنة ، فجعلت الجنة خبرا لم يستقم ذلك ، لأن الجنة لا تكون الصفة ، وكذلك أيضا شبه الجنة جنة ، ألا ترى أن الشبه عبارة عن المماثلة التي بين المتماثلين ، وهو حدث ، والجنة غير حدث ، فلا يكون الأول الثاني . وقال الفراء : المثل مقحم للتأكيد ، والمعنى : الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار ، والعرب تفعل ذلك كثيرا بالمثل ، كقوله : " ليس كمثله شئ " ( 1 ) [ الشورى : 11 ] : أي ليس هو كشئ ( 2 ) . وقيل التقدير : صفة الجنة التي وعد المتقون صفة جنة " تجري من تحتها الأنهار " . وقيل معناه : شبه الجنة التي وعد المتقون في الحسن والنعمة والخلود كشبه النار في العذاب والشدة والخلود ، قاله مقاتل . ( أكلها دائم ) لا ينقطع ، وفي الخبر : " إذا أخذت ثمرة عادت مكانها أخرى " وقد بيناه في " التذكرة " . ( وظلها ) أي وظلها كذلك ، فحذف ، أي ثمرها لا ينقطع ، وظلها لا يزول ، وهذا رد على الجهمية في زعمهم أن نعيم الجنة يزول ويفني . ( تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار ) أي عاقبة أمر المكذبين وآخرتهم النار يدخلونها . قوله تعالى : والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه ادعوا وإليه مآب ( 36 ) قوله تعالى : ( والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ) أي بعض من أوتي الكتاب يفرح بالقرآن ، كابن سلام وسلمان ، والذين جاءوا من الحبشة ، فاللفظ عام ، والمراد الخصوص . وقال قتادة : هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يفرحون بنور القرآن ، وقاله مجاهد
--> ( 1 ) راجع ج 16 ص 8 . ( 2 ) في ى : ليس كهو سئ .